الحلبي
196
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ثابتة ، واللّه أعلم . واستشكل ذلك بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا » وقوله صلى اللّه عليه وسلم لعائشة وقد قالت له « أتنام قبل أن توتر ؟ قال : تنام عيني ولا ينام قلبي » . وأجيب عنه بأجوبة أحسنها أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ولا يدرك ما يتعلق بالعين كرؤية الشمس وطلوع الفجر . ومن الأجوبة أنه صلى اللّه عليه وسلم كان له نومان : نوم تنام فيه عينه وقلبه ، ونوم تنام فيه عينه فقط . وينبغي أن يكون هذا الثاني أغلب أحواله وإن كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثله في ذلك ، ويكون قوله صلى اللّه عليه وسلم : « نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ، ولا تنام قلوبنا » أي غالبا . ويكون هذا حاله دائما وأبدا إذا كان متوضئا ، لقولهم : إنه لا ينقض وضوؤه صلى اللّه عليه وسلم بالنوم ، وفي جعله العين محلا للنوم نظر ، لأن العين إنما هي محل السنة ، ومحل النعاس الرأس ، ومحل النوم القلب . قال الحافظ السيوطي : وكون القلب محلا للنوم دون العين لا يشكل عليه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « تنام عيناي ولا ينام قلبي » ، لأنه من باب المشاكلة ، وفيه بحث هذا كلامه . واستشكل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ارتحلوا فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان » وفي لفظ : « ارتحلوا ، فإن هذا واد به شيطان » بأنه يقتضي تسلط الشيطان على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن الظاهر أن وجود الشيطان هو السبب في النوم عن الصلاة . وأجيب بأنه على تسليم ذلك ، فإن تسليطه إنما كان على من كان يحفظ الفجر بلال أو غيره . ففي بعض الروايات كما تقدم : « إن الشيطان أتى بلالا فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام » . ثم لحق صلى اللّه عليه وسلم بالجيش ، وقبل لحوقه صلى اللّه عليه وسلم بهم قال لأصحابه ما ترون الناس : يعني الجيش فعلوا ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : لو أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا ، وذلك أن أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما أرادا أن ينزلا بالجيش على الماء فأبوا ذلك عليهما فنزلا على الماء فأبوا ذلك عليهما ، فنزلا على غير ماء بفلاة من الأرض لا ماء بها عند زوال الشمس وقد كادت أعناق الخيل والركاب تقطع عطشا فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : أين صاحب الميضأة ؟ قيل هو ذا يا رسول اللّه . قال : جئني بميضأتك فجاءه بها وفيها شيء من ماء ، وفي رواية : دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالركوة فأفرغ ما في الإداوة فيها ووضع أصابعه الشريفة عليها فنبع الماء من بين أصابعه ، وأقبل الناس فاستقوا ، وفاض الماء حتى رووا ورووا خيلهم وركابهم ، وكان في العسكر من الخيل اثنا عشر ألف فرس أي على ما تقدم ، ومن الإبل خمسة عشر ألف بعير ، والناس ثلاثون ألفا ، وقيل سبعون ألفا . وواضح أن هذه العطشة غير